أنا أمل

(( أنا أمل ))

لم تكن المرة الأولى التى يحاول فيها الانتحار والتخلص من حياته …

إلا أن شيئاً دائماً ماكان يوقظه فى اللحظات الاخيرة لعدم الإتيان بتلك الفعلة …

صوت أمه الذى طالما نبهه للخطأ وهو صغير ..

وتلك الجملة التى طالما قالتها له

(( يوما ما صغيرى سأأتيك بدون موعد ..وسأمسح بيدى جبينك المتعرق ..وتمر أصابعى بخصلات شعرك وأطمئنك فلا تكن قلق ))

تلك الجملة التى تتردد فى ذهنه طوال سبع سنوات منذ ان توفت والدته وتركته وحيداً فى عالم لم يتصالح معه يوماً …..

ترك الحبوب القاتلة لتتبعثر على أرض الغرفة ….

وألقى بنفسه على سريره مجهشاً فى البكاء .خرج صوته مبحوحاً بتمتمة : (( أمى ..أنى أفتقدك جداً ..أين أنتى ؟)) …

من وراء زجاج النافذه كانت تراقبه هى ولا تدرى سر الحركات الغريبة التى يقوم بها أحياناً ثم تنتهي تلك النهاية ..

ففى كل مرة تراه يسقط على فراشه واضعاً وجهه بين راحتيه … مستسلماً للبكاء ثم لا يلبث بأن يتكور كجنين فى رحم سريره ويغط فى النومكل

ماتعرفه عنه أنه جاء ليسكن وحيداً فى تلك الشقة الواقعة أمامهم …لا يعرف عنه أحد شىء منذ ثلاث سنوات …

تراقبه بين الحين والحين …سألت نفسها مراراً لماذا اهتم بشخص غريب الأطوار ..

لا نعرف عنه شىء ولا نرى له صديق أو قريب … لم يدر بينه وبين أحد أى حوار ….

لم تتلاقى أعينهما سوى مرة واحدة كانت هى ذاهبة لصديقتها القاطنة فى نفس العمارة التى يسكنها …

ولكنها أحست انه لا يراها بل هو شاردٌ ببصره لا أكثر .فاقت من أسئلتها على طرق الباب …

ذهبت لتفتح وإذ به والدها …أخذت منه ما يحمله وذهبت به للمطبخ ثم عادت سريعاً للنافذه

وكأن شيئاً داخلياً دفعها لهذا نظرت الى غرفته فلم تجده على سريره ….اندهشت هى ..

انها المرة الاولى بعدما يستسلم للنوم يقوم هكذا سريعاً …ماذا حدث ؟؟ …

ظلت تراقب الغرفة .. ولكن شيئا ما لم يحدث طوال عشر دقائق بطيئة جداً …. حدثت نفسها ..ماذا افعل .؟؟ ….

ثم عادت لتقول …وما شأنى أنا قد يكون ذهب ..وترك الغرفة ..قد يكون لم يستطع النوم هذه المرة ؟؟ …. بدأ بداخلها صراع من الاسئلة ..؟؟

ثم سرعان ما قفذت إلى عقلها فكرة ….(( لا ..لا ..لا أستطيع أن افعلها ..قد يراني أحد ويظن سوءاً )) …

لدقائق لم تستطع أن تُذهب الفكرة عنها …وبعدها حسمت الأمر

(( أبى سأذهب لسعاد صديقتى ولن أغيب نصف ساعة على الأكثر ))

حصلت على موافقة والدها وانطلقت مسرعة تجاه العمارة المقابلة …

صعدت الدرجات القليلة فى سرعة و فتحت باب المصعد وترددت قليلاً ثم ضغت رقم 4 …

ولم يكن سوى رقم الدور الذى يقطن فيه هو ….. خرجت من المصعد واتجهت فى خطوات ثقيلة نحو باب شقته …

(( سأطرق الباب مرتين واذا لم يفتح سأهبط الدور الثالث لسعاد ))

طرقت الباب مرة ثم تلتها بمرة أخرى أقوى فإذ بالباب ينفتح بهدوء سرت قشعريرة فى جسدها كله

وللحظات أحست انها غير قادره على التفكير ولكنها حسمت الأمر بأن دلفت الى الداخل وظلت تسير ببطء تستكشف ارجاء الشقة …

كانت الشقة مهملة الى حد كبير ولولا أنها تعرف تماماً انها مسكونة لكانت قالت انها مهجورة منذ زمن …

ورغم انها كانت تسير ببطء كمن يتحسس طريقه فى ظلام إلا انها لم تستطع تفادى تلك الزجاجات الموضوع على الأرض فاصطدمت بها ..

فما كانت النتيجة سوى زجاج مكسور متبعثر وجرح فى قدمها صرخت صرخة مكتومة معه … وارتمت إلى أقرب كرسى وجدته ….

رفعت عينيها تجاه ممر صغير أمامها يؤدى إلى حمام الشقة فوجدته خارجاً منه منزعجاً ناظراً إليها فى تعجب …. (( من أنتى ؟ وماذا تفعلين هنا ؟؟))

لم تستطع هى الاجابه …..

وأمام مشهد الدم السائل من قدمها لم يكمل هو سؤاله واسرع الى الحمام ثم عاد حاملاً قطعاً من القطن والشاش وزجاجة مطهر ..

راح فى صمت يمسح الدماء السائلة منها ويطهر الجرح ….خلالها كانت هى تراقبه صامته متوجعة ..

كانت المرة الأولى التى تصبح فيها قريبة من رجل غريب هكذا والمرة الأولى التى تصبح فيها قريبة منه هو أحست بشعور غريب ..

أحست أنها تعرفه منذ زمن حتى عبيره أحست أنه قد تخلل أنفاسها قبل ذلك ….

قاومت شعور عجيب بان تمرر أصابعها بين خصلات شعره ولم تدر ما سر ذلك الحنين لأن ترفع وجهه بيدها لتنظر فى عينيه ….

أنهى هو ما يفعله ثم نظر اليها … (( لا تقلقى الجرح سطحى )) …

لم تدر هى ماذا تقول أحست بأن لسانها منعقد وأنها نسيت تماماً ثروتها اللغوية التى كونتها طوال سنى حياتها ..

فلم تجبه سوى بايماءة خفيفة برأسها .اتجه هو الى كرسى أمامها ونظر اليها ( هل لى أن أعرف من أنتى ..؟)) …

عانت هى كثيراً حتى خرجت منها إجابة مبتورة (( أنا أمل ))

ابتسم هو ابتسامة لم تمحى أبدا ذلك الشجن الذي يكسى وجهه (( أمل ! وماذا تفعلين يا أمل فى منزلى ؟))

كان هو يتعجب ذلك الشعور الذى تملكه فما بين رغبته فى معرفة تلك الغريبة التى توجد فى منزله ..بدون سبب معروف ..

وبين تلك الألفة التى يجدها فى وجهها ونبرة صوتها …وشعور بأنه قد يكون قد قابل هذا الوجه قبل ذلك …

أنتبه الى صوتها (( فى الحقيقة أنا ..أنا ..)) وقف هو فجأة واتجه نحوها …أحست هى بضربات قلبها تتسارع …

انحنى على ركبتيه …وأمسك بكفيها بين يديه ووجه نظره لعينيها مباشرة …..

أندهشت هى مما يفعله وأحست بقلق شديد وشل تفكيرها تماماً ….

ولم تستطع شفتيها سوى التمتمة بحرف الميم متكراراً …

قاطع كل ذلك قوله (( لماذا تأخرتى يا أمل ؟؟)) ….

حدقت هى بذهول فى وجهه الذى اتخذت ملامحه براءة طفل فى سنى حياته الأولى .

وجمعت كل مابقى من قواها وقالت (( تأخرت !!!)) …

قال فى وداعة ((نعم تأخرتى لقد قالت أمى أنك ستأتين سريعاً )) …

ازدادت هى فى دهشتها وبذلت مجهوداً لتقول (( وهل تعرفنى أمك ؟؟))

وضع يده على شفتيها وابتسم ابتسامة عذبه …..

وبعد عدة أيام …كان هو وأمل زوجته يقفان أمام شاهد قبر امه المنحوت فوقه …

(( هنا رقدت بسلام أمــل عادل جــيــــد ….17نوفمبر 2003 ))

اترك تعليقاً

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.